علوم إنسانية

بحث حول التسامح تعريفه أهميته ومكانته في الإسلام

التسامح من أنبل القيم الإنسانية

إن التسامح من أعظم القيم الإنسانية على الإطلاق، وهو أصعبها على الانسان، وأشقها على النفس، لذلك فلا يتحلى به إلا الكرماء من الناس، وهو من القيم النبيلة والغالية والتي نحن في أشد الاحتياج لها في عصرنا اليوم.

تعريف التسامح

التعريف اللغوي

أصل الكلمة هو الفعل “سمح” ويعني السهولة والسلاسة، وقد اشتمل المعنى في اللغة العربية على معنيان وهما:

الجود والكرم: فيقول ابن منظور “وسمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرمٍ وسخاء”.

التساهل: ومعنى تسامحوا أي تساهلوا، وأن تفعل شيئًا فتسهل فيه.

التعريف الاصطلاحي

تعريف المودودي:

“أن نتحمل عقائد غيرنا وأعمالهم على كونها باطلة في نظرنا، ولا نظن فيهم بما يؤلمهم، رعاية لعواطفهم وأحاسيسهم، ولا نلجأ إلى وسائل الجبر، والاكراه لتصريفهم عن عقائدهم أو منعهم مما يقومون به من أعمال”.

وقد وردت تعاريف كثيرة للتسامح، ولعل أشملها هو “سهولة التعامل في اعتدال”.

أهمية التسامح

أهميته للقلب

للتسامح أهمية كبيرة لسلامة القلب، فالإنسان المتسامح دائمًا ما تكون صحته النفسية أفضل وقدرته على مواجهة الحياة أعلى من الآخرين، لأنه لا يحمل بقلبه سوءًا لأحد ويتخلص سريعًا من الأفكار والمشاعر السلبية، بما يوفر جهده وطاقته لأداء ما ينفعه.

المتسامح محبوب

ان الانسان المتسامح دائمًا ما يكون محبوبًا لدى الآخرين، كما يقدره الجميع ويقتربون منه، ويشعرون بالطمأنينة في وجوده، نظرًا لأن دائمًا ما يكون الشخص المتسامح أمينًا في نفس الوقت.

المتسامح قدوة للآخرين

دائمًا ما يعطي المتسامح فرصة للآخرين ليكونوا أفضل، فبتغاضيه عن الأخطاء يعطيهم فرصة لتدارك أخطائهم وتصليحها، بما يجعلهم يمتنون له، ويريدون التشبه به.

المتسامح واثق من نفسه

المتسامح لديه ثقة كبيرة بالنفس، لذلك فهو يترفع عن صغائر الأمور، ولا ينشغل كثيرًا بها، خاصة حين يقترن عفوه وتسامحه بقدرته على أخذ الحق، وهنا فرق كبير بين التسامح والضعف، فالمتسامح لابد وأن يكون قادرًا على نيل حقه وإلا يسمى ذلك ضعفًا.

الوقاية من الأمراض

تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص المتسامحين يعيشون أطول من غيرهم، كما يتمتعون بصحة أفضل وجهاز مناعي قوي، ويقيهم التسامح من مشكلات ارتفاع ضغط الدم وسرعة التنفس وزيادة معدل ضربات القلب.

التسامح في الإسلام

التسامح في القرآن الكريم

يعد التسامح من أعظم القيم التي نادى بها الإسلام، ومن اهم الدعائم التي بني عليها وساعدت في انتشاره، فها هم الناس يدخلون في الإسلام اعجابًا بتسامح أهله ورحمتهم فهم يعفوا ويصفحوا عن الكثير كما أمرهم الله عز وجل، وكما جاء في قرآنه الكريم “وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم”.

وقد ورد في القرآن الكريم الكثير والكثير من الآيات الداعية إلى التسامح، وليس إلى التسامح فقط، بل إلى مقابلة السيئة بالحسنة فيقول الله عز وجل “ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم”.

ولقد وضع الله سبحانه وتعالى ثلاثة قواعد في آية قصيرة ولكنها عظيمة المعنى، حين قال “خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”.

تعددت الآيات التي تحث على التسامح والعفو والتي لا يمكننا حصرها جميعًا نظرًا لكثرتها، ولكن لا ينبغي أن نغفل تلك الآية العظيمة التي لم يقتصر المعنى فيها عن التسامح فقط بل فاض فيها معناها فيقول الله “قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين”؛ وهو قول سيدنا يوسف لإخوته حين عفا عنهم؛ وفيها اكتمل المعنى بالتسامح التام بل فاض المعنى حتى أنه لم يعبر عن ذكر ذنبهم السابق، بل إنه دعا لهم فوق ذلك بالرحمة والمغفرة.

التسامح في الحديث النبوي الشريف

– من الأحاديث النبوية التي وردت عن الرسول “صلى الله عليه وسلم”، والتي تدعو إلى التسامح، حين قال:

“ألا أخبركم بمن يحرم على النار، أو من تحرم النار عليه؟، كل قريب هين لين قريب سهل”؛ أي كل قريب من الناس، لين الطبع، وسهل التعامل، ليس صعب الرضا، ولا يترصد للناس أخطائهم.

– وفي موقف آخر يذكر أن الرسول كان يجلس مع أصحابه، فقال “يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة” فجاء رجلًا وجلس معهم ولما قام الرجل قال الرسول: “قام عنكم الآن رجل من أهل الجنة”، وتكرر الأمر ثلاث مرات وفي كل مرة كان يطلع هذا الرجل، فاحتار الصحابة في أمر هذا الرجل، فذهب عبد الله بن عمرو بن العاص ليبيت معه ويراقب أفعاله وبقي معه ثلاثة ليالي فلم يجده يفعل أكثر مما يفعل المسلمون من أداء الفرائض، حتى يقول إني كدت أن أحتقر عمله، فسأله عن ذلك فقال له الرجل:

“مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ؛ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ” فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ. 

التسامح مع غير المسلمين

– ان التسامح في الإسلام لم يقتصر فقط على تسامح المسلمين مع بعضهم البعض، بل اشتمل على التسامح مع غير المسلمين ايضًا، وفي تعامل الرسول مع المشركين خير مثال على ذلك؛ ففي رحلة الرسول إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام وكانت تلك أصعب الأيام عليه بعد غزوة أحد، وقد لاقى من قومها ما لاقى من الأذى؛ فجاء إليه جبريل يستظله بسحابة فوق رأسه وقال له:

“يا محمد ان الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، ان شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟”

فقال له رسول الله:

“بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا”.

– وفي فتح مكة حين دخل الرسول وقومه منتصرين، وتسلم مفاتيح الكعبة؛ ووقف أمامه المشركون منتظرين ماذا سيفعل بهم الرسول؟ وكيف سينتقهم منهم؟ وكيف سيجازيهم بسوء ما فعلوا به وبالمسلمين؟، فإذا برسول الله يقول لهم “يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟”، فقالوا “أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم”، وهنا قال الرسول “إني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته [لا تثريب عليكم اليوم]، اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق