تاريخ

بحث حول الياسا أو الياسق دستور المغول الذي وضعه جنكيز خان لتنظيم شؤون شعبه

قبل الياسا عاش المغول تحت بعض القواعد التي نظمت حياتهم وعرفوها فيما بينهم، لكنهم لم يكتبوها، وذلك لأنهم لم يعرفوا مهارة الكتابة، فرغم بساطتهم وبدائيتهم تداولوا فيما بينهم بعض التقاليد والقواعد لينظموا حياتهم ويتعاملوا بها.
عند مجيء جنيكيز خان واحتلاله لعرش المغول فإنه قام بخلخلة هذه التقاليد وقبول بعضها ورفض البعض الآخر، ثم صبغها بصبغة رسمية، وركز على تعليم الأطفال الكتابة والخط الأويغوري وهو الخط نفسه الذي كتب به دستور الياسا وحفظه في خزائن الدولة، وعرف هذا الدستور فيما بعد بالإسم الرسمي وهو “كتاب الياسا الكبير”.
معنى كلمة “ياسا”
هي كلمة مغولية بمعنى حكم أو قاعدة أو قانون، وتكتب بطرق مختلفة في اللغة العربية فالبعض يكتبها ياسه أو يساق أو ياساق أو يسق.
عرفت كلمة ياسا أيضًا بمعنى “القتل” أو “الموت” وذلك لشدة ما اشتملت عليه من قواعد للعقاب والجزاء، وما نصت عليه من قتل الشخص المذنب، وفرضها على الجميع في صرامة وشدة.

أهمية تطبيق نصوص الياسا في المجتمع المغولي

إن قوانين الياسا وبالرغم من صرامتها وشدتها؛ إلا أن جنكيز خان استطاع بفرضها أن ينظم حياة المغول ويحل الصراعات بينهم ويبعدهم عن الفوضى التي اعتادوا عليها، فانصرفوا عن قتل بعضهم البعض من أجل الأملاك والمراعي وحولتهم إلى جيوش منظمة تعرف كيف تخطط لحروبها وكيف تغزو العالم.

قوانين الياسا

تتلخص أحكام الياسا في ثلاث أمور وهي:

  • الخضوع لجنكيز خان.
  • الاتحاد في قبيلة واحدة، أي اندماج خمسين قبيلة من قبائل المغول في قبيلة واحدة.
  • العقاب الصارم لكل مخطئ.

يقول المقريزي: أخبرني العبد الصالح الداعي إلى الله أبو هاشم أحمد بن البرهان – رحمه الله – أنه رأى نسخة من الياسا بخزانة المدرسة المستنصرية ببغداد، ومن جملة ما شرعه جنكيز خان في الياسا:

  • من زنى قُتل، بدون تفريق بين المحصن وغير المحصن.
  • من لاط قُتل، ومن بال في الماء أو على الرماد قُتل.
  • من أعطى بضاعة فخسر فيها، فإنه يقتل بعد الثالثة.
  • من أطعم أسيرًا أو كساه بغير إذنهم قتل.
  • من وجد عبدًا هاربًا أو أسيرًا قد هرب ولم يرده على من كان في يده قتل.
  • أن الحيوانات تكتف قوائمها وتشق بطنها، ويمرس قلبها حتى تموت، وهذه هي طريقة الذبح لديهم، ومن ذبح كذبح المسلمين يتم ذبحه.
  • من وقع سهمه أو قوسه وهو يكر ويفر في حالة قتال، وكان ورائه أحد، فلم ينزل ويعطي صاحبه ما سقط منه فإنه يقتل.
  • تعظيم جميع الملل من غير تعصب لملة على أخرى.

الآداب العامة في الياسا

نصت الياسا أيضًا على بعض الآداب العامة في تناول الطعام والشراب والنظافة ومنها:

  • ألا يأكل أحد من يد أحد حتى يأكل منه المناول أولًا، حتى ولو أنه أمير ومن يناوله أسير.
  • ألا يأكل أحد من شئ وغيره يراه دون أن يشركه معه في الطعام.
  • ألا يزيد أحدًا شبعًا عن صاحبه الذي يأكل معه، وأنه من مر بقوم وهم يأكلون فله أن ينزل فيأكل معهم دون طلب الإذن منهم.
  • ألا يدخل أحدًا يده في الماء دون شيئًا أو كأسًا يغترف به.
  • منعهم الياسا من غسل ثيابهم ولبسها حتى تبلى.
  • منعهم من وصف شئ بأنه نجس، ووضع مبدأ أن كل الأشياء طاهرة ولا فرق بين الطاهر والنجس.

الجيش في الياسا

وأما عن تنظيم الجيش والدولة فقد نص على:

  • إلزام نساء العساكر بالقيام بأمر الرجال من السخرة والكلفة في مدة غيابهم عن القتال.
  • فرض كلفة على الرجال الذين غابوا عن القتال يقدمونها إلى السلطان.
  • إلزام الناس عند رأس كل سنة بعرض بناتهم من الابكار على السلطان ليختار منهم لنفسهم ولأولاده.
  • رتب عساكره إلى أمراء وجعل منهم أمراء ألوف وأمراء مائتين وأمراء عشرات.
  • ألا يتردد الأمراء لغير الملك، ومن تردد منهم لغير الملك قتل، ومن تغير عن موضعه الذي رسمه له السلطان قتل.
  • منع تفخيم الألفاظ، ووضع الألقاب، والنداء بالاسم فقط حتى ولو كان يخاطب السلطان.
  • إقامة البريد حتى يعرف السلطان أخبار المملكة.
  • أن ينتقل الحكم إلى ابنه جغتاي بن جنكيز خان، فلما مات جنكيز خان، التزم من بعده بما جاء في كتاب الياسا.

الصيد في الياسا

كان الصيد من هوايات المغول المفضلة، وكانوا يقيمون المباريات التي يشهدها الأمراء والتي تنظم على مستوى عالٍ، حتى طالتها يد القوانين، فكان إذا أخطأ جندي في إصابة الهدف يضرب بالعصا، وكثيرًا ما يكون العقاب بالقتل، ولا يتهاونون عن إلحاق الجزاء بأي شخص يرتكب خطءا أثناء عمليات الصيد حتى ولو كان تافهًا.

بعض المبادئ العامة لقانون الياسا وأخلاقيات المغول

التعاون الجماعي وتفاني الفرد في سبيل جماعته، حتى ولو على حساب خصوصيته، فكان عدم الاعتراف بالحرية الشخصية للفرد سائدًا بل ويعاقب عليه أيًضًا إذا خالفه الشخص، فقد نصت الياسا على عدم انفراد أحد بشيء وغيره يراه.
أكل المحرمات
: دعت بعض عادات المغول إلى الاشمئزاز، فقد كانوا يأكلون اللحوم الدنسة، ويكرهون الاستحمام وغسل الأيدي والثياب، كما كانوا يذبحون الحيوانات بأبشع الطريق كما ذكرنا من قبل فيشقون بطنها ثم يمدون يديهم إلى جوفها حتى يصلوا إلى قلب الحيوان فيمسكوا به وينزعوه من مكانه.

لكن لدى المغول بعض الأخلاق الكريمة أيضا، فكان جنكيز خان يكره السرقة، ويعاقب مرتكبيها بالإعدام، وكان يغضب إذا علم أن هناك ولدًا لا يطيع أبويه، أو بأخ صغير يخالف أخيه الكبير، أو باعتماد الرجل على امراته، او مخالفة المرأة لزوجها، او بامتناع الغني عن مساعدة الفقير، كما كان ينهي قومه بعدم الاسراف في شرب الخمر فكان يقول: عن الرجل السكران كالرجل المضروب على أم رأسه، يفقد عقله وكفاءته، فاشربوا ثلاث مرات في الشهر الواحد لا أكثر والأفضل ألا تشربوا أبدًا.

موقف الشريعة الإسلامية من قانون الياسا

إننا نرى اختلافًا شاسعًا بين ما تحث عليه الشريعة الإسلامية وبين دستور الياسا الذي فرضه جنكيز خان؛ وذلك بالرغم من تشابه بعضهما في القليل من القواعد، إلا أنه لا يجوز وضعهما في مقارنة، حيث أن الشريعة الإسلامية بتشريعاتها وعقيدتها السمحة والتي تعطي مساحة كبيرة للتوبة والرجوع عن الخطأ ولا تتشدد بالقتل على كل كبيرة وصغيرة بل تعطي حلولًا وسطًا تمنح للمذنب الرجوع عن خطئه، كما تتوقف عقوباتها على الكثير من الشروط والملابسات، كما تعطي للشخص مساحته الشخصية وحريته على عكس دستور الياسا الذي جعل من الأشخاص عبيدًا لأهداف الإمبراطورية المغولية وفرض عليهم العقاب بالقتل في حال حادوا عن ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock