Uncategorized

بحث حول الحق في المعلومة

الحق في المعلومة آلية لمحاربة الفساد

تقديم

“المعلومات أداة قوية للتمكين من وضع المسؤولين موضع المساءلة. عندما لا يتسنى الحصول عليها بشكل حر، يمكن للفساد أن ينتعش ولا تتوفر الحقوق الأساسية”

Transparency International, 2013

الحق في الحصول على المعلومات يشمل حقين لا ينفصلان هما الحق في الإعلام والحق في الحصول على المعلومات.

تفتتح ديباجة ميثاق ميونخ الذي اعتمده في عام 1971 ممثلو اتحادات الصحفيين من المجموعة الأوروبية وسويسرا والنمسا، إضافة إلى منظمات دولية مختلفة للصحفيين، بالإعلان التالي: إن الحق في المعلومات وحرية التعبير والنقد الحر، فضلا عن تنوع الرأي، هو حرية أساسية لكل إنسان. وينبغي توضيح هذا المبدأ المشروع باعتباره “ميثاق حقوق الصحفيين وواجباتهم” ليصبح مبدأ عاما.

الحديث عن الحق في المعلومة يعني بديهيا الحق في الحصول على المعلومات. لكن هذا الحق يؤسس أيضا وبالضرورة لحق آخر هو الحق في الإعلام، بمعنى تقديم المعلومات للآخرين. وبالتالي، فإن الحق في الحصول على المعلومات يتضمن حقين لا ينفصلان: الحق في الإعلام (انتاج المعلومات) والحق في الحصول على المعلومات.

وبشكل عام يقصد بالحق في المعلومة أنه الحق في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات العامة، ويعتبر حقا إنسانيا أساسيا اعترفت به العديد من الدول بشكل قانوني ودول أخرى في طريقها للاعتراف به. ويأتي هذا الاهتمام الواسع بحق الحصول على المعلومة لمساهمته في تعزيز الديمقراطية فهو اختبار لتحقيق باقي حقوق الإنسان. وكون الحكومات هي في الأساس في خدمة الشعوب ودورها الإشراف على الصالح العام فمن الواجب عليها ألا تحتفظ بالمعلومات لنفسها وأن تجعلها متاحة للجميع، ما لم تكن المصلحة العامة تقتضي سرية المعلومة. وفي ما يخص المغرب فبالإضافة إلى مرجعيته الدولية يجد الحق في المعلومة سنده في الدستور وبعض النصوص القانونية الداخلية.

من خلال هذا البحث سنحاول في المحور الأول تقديم تعريف واضح للحق في المعلومة والتطرق لأهميته في بناء مناخ ديموقراطي سليم مع سرد أهم المعيقات التي تحد منه كحق لكل المواطنين. وفي المحور الثاني سنقدم بعض التجارب الدولية في هذا المجال مع التركيز على الحالة المغربية.

1 ماهو الحق في المعلومة

الحق لغةً يعني الثبوت والوجوب، والأمر الثابت. والحق نقيض الباطل كما في قوله تعالى :” ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون” سورة البقرة الآية 42. ويعني أيضا اليقين، كما جاء في قوله تعالى :” فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنتم تنطقون” سورة الذاريات الآية 23. وتستعمل كلمة الحق بمعنى العدل والمساواة، أو بمعنى الواجب في الكثير من الحالات كحق إعطاء المسكين والفقير مالاً من أموال الأغنياء.

الحقّ اصطلاحاً هو الاستئثار الذي يُقرره القانون لشخص من الأشخاص، وهو الاعتراف القانونيّ بملكية فرد بصفته الشخصيّة، أو بالصفة التي يمثلها لشيء ما، ويحق له التصرّف فيه بشكل قانوني. ويكون بأخذ شيءٍ له من شخص آخر سواءً مادياً أو معنوياً. ومن خلال هذا التعريف تظهر العلاقة الوطيدة بين الحقّ والقانون، فلا يوجد حق إلاّ وكان القانون مسانداً ومشاركاً له.

المعلومة لغة مشتقة من الفعل  Informer والمأخوذ من أصل المصطلح اللاتيني Informare  الذي يشير إلى إعطاء شكل أو حالة forme. وفي اللغة العربية المعلومة مُشتقة من الفعل علم، وتدل على الإحاطة ببواطن الأمور والوعي، والإدراك.

المعلومات اصطلاحاً: هي البيانات التي عولجت لتصبح ذات معنى ومغزى مُعيّن لاستعمال مُحدّد، لأغراض اتخاذ القرارات، وبذلك يمكن تداولها، وتسجيلها، ونشرها، وتوزيعها، فى صورة رسميّة أو غير رسميّة وفي أي شكلٍ.

انطلاقا من التعريفات السابقة وباعتبار الحق في المعلومة حقا من الحقوق الطبيعية المنصوص عليها في مختلف القوانين والمواثيق الدولية والمتفق على كونه ذو أهمية بالغة يمكن القول بأنه يقصد بالحق في الحصول على المعلومات ذلك الحق الذي يتيح للمواطن حرية السؤال عن كل معلومة توجد بالإدارة العمومية، وتلقي الإجابة عنها بصورة أو بأخرى، فهو حق إنساني، طبيعي، أساسي للفرد والجماعة، وهو حاجة بيولوجية، ونفسية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية يعبر عن مدنية المجتمعات، وحضاريتها، واحترام عقلية الفرد، ومنهجية تفكيره، وإشراكه في الأدوار والمسؤوليات، وتحمله لمسؤولياته اتجاه مجتمعه وقضاياه المختلفة، فالمعلومة يجب أن تكون متاحة ومتوفرة لكل من يطلبها. وهو الأداة الأساس العملية والإجرائية للشفافية، التي تمكن كل المواطنين من الإطلاع على ما يجري بالإدارة العمومية، ومن مراقبة العمل الإداري، ومعرفة كيفية وطريقة ولفائدة من تتخذ القرارات العمومية، وتعطيهم القدرة والسلطة للمشاركة والمساهمة في عمليات اتخاذ تلك القرارات وتقييمها، ويجد هذا الحق سنده ومصدره في العديد من الاتفاقيات والعهود الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966م.[1]

2 أهمية الحق في المعلومة وعراقيل الوصول إليها

2.1 انعكاس الحق في المعلومة على الحريات وعلى حقوق الإنسان

الهدف الأسمى لجميع الناس هو العيش في مجتمع أو دولة آمنة فاعلة ومزدهرة مع ما في ذلك من مزايا. ولخلق مجتمع ديناميكي يعمل بشكل جيد والحفاظ عليه يجب تحقيق انسجام بين مصالح المواطنين كأفراد فاعلين ومصلحة الدولة التي في الأساس من تعمل لصالح المواطن، وتتشكل مؤسساتها بإرادته. ولا يمكن الوصول إلى الهدف إلا بتوفير مناخ ديموقراطي سليم مبني على احترام حقوق الإنسان المنصوص عليها في جميع التشريعات.

الولوج إلى المعلومة هو في حد ذاته حق من حقوق الإنسان والتمتع به يعزز إمكانية تحقيق حقوق الإنسان الأخرى، إذ لا يستطيع مواطن أن يطالب بحق من حقوقه إذا كان يجهلها وحق الولوج إلى المعلومة يمكنه يكفل له هذه المعرفة.

يعرف الإعلان الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الولوج إلى المعلومة في مادته رقم 19 كما يلي:

  1. 1. لكل انسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
  2. لكل انسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
  3. يتطلب ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة، وعلى ذلك يجوز اخضاعها البعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، ولحماية الأمن الوطني القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأداب العامة.

المعرفة شرط أساسي لفهم حقوق الإنسان والقدرة على المطالبة بها والتمتع بها والانتفاع منها، والولوج إلى المعلومة يعتبر الركيزة التي تؤسس عليها حقوق الإنسان الأخرى. وحرية تداول المعلومات هي حق من حقوق الإنسان التي التزمت الدول المصدقة على الإعلان الدولي للحقوق المدنية والسياسية بمنحها وتعزيزها.

وبصفة عامة يساهم ترسيخ الحق في الحصول على المعلومة في ما يلي:

  • يساعد المواطنين بشكل أفضل على فهم الإجراءات الحكومية .
  • يساعد الأفراد على حماية حقوقهم.
  • يعزز الشفافية والثقة في الحكومة.
  • يفضح عمليات سوء استعمال السلطة .
  • يكافح الفساد.
  • يعزز وجود صحافة حرة ومسئولة.

2.2 الحق في المعلومة كآلية لمحاربة الفساد

سوف تحكم المعرفة الجهل للأبد، والشعب الذي يرغب في أن يحكم نفسه بنفسه يجب أن يسلح نفسه بالقوة التي تمنحها المعرفة. إن الحكومة الشعبية دون معلومات شعبية أو وسيلة للحصول عليها ما هي إلا استهلال لرواية هزلية أو مأساوية أو كليهما معا

جيمس ماديسون، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية 1809-1817

محاربة الفساد تتطلب من المجتمع أن يرسخ أساسا للتفاعل البناء بين المواطنين أو المجتمع المدني والحكومة وكما سبق الاشارة إليه التمتع بحق الولوج إلى المعلومة يوفر مستوى من الوعي لدى المواطن بحيث يجعله على علم بكل صغير وكبيرة تخص بلده لكن الأمر يتطلب من الحكومة التمتع بالانفتاح والشفافية وتوفير المعلومة دون عراقيل.

عندما تكون المعلومة متاحة للجميع يقل الفساد لأن المجتمع سيفرض رقابته ومساءلته على كل من يريد خرق القانون متسترا بعتمة الجهل أو متسلحا بسلطة احتكار المعلومة. وعواقب الفساد وخيمة على الدول فهو يتسبب في اهدار موارد المجتمع وسوء ممارسة العدالة وسوء إدارة الأموال وتغييب الديموقراطية، وقد أتبتث التجربة أن الحكومة غير الفاسدة مسؤولة وشفافة في تصرفاتها وأفعالها وتتبني مبادئ الحكم الرشيد والتدبير التشاركي، ما ينعكس إيجابا على مستوى عيش المواطنين وعلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلد، عكس الحكومة الفاسدة التي تتسم قراراتها بالغموض والعشوائية والانفراد.

2.3 العراقيل التي تحول دون الوصول إلى المعلومة

وضعت العديد من الدول تشريعات خاصة لتقنين حق الوصول إلى المعلومة ودول أخرى في الطريق إلى ذلك. وبالرغم من تواجد هذه القوانين فالوصول إلى المعلومة ليس دائما بالأمر الهين نظرا لمجموعة من العراقيل والعقبات المقصودة او غير المقصودة:

عقبات ثقافية وإدارية:

  • ممارسات متبعة (المعلومات ملك للإدارة) (الأصل إبقاء المعلومات سرية وإطلاقها هو الإستثناء)
  • عدم إقتناع معظم الجهات والمسؤولين بمبادئ حق الحصول على المعلومات وأن الاستثناءات محدودة
  • عدم توفر أطر مؤمنة بأهمية حق الحصول على المعلومات
  • عدم معرفة معظم المواطنين بحقهم في الحصول على المعلومات أو بالقانون وطريقة تقديم الطلبات أو معرفة دور الجهات المسؤولة عن تيسير الحصول على للمعلومات

عقبات فنية:

  • عدم توفر مسح حديث شامل ودقيق لوضع المعلومات
  • عدم حفظ البيانات بشكل مناسب مما يعرضها للتلف أو الفقد
  • عدم وجود ارشيف مرتب ومنظم لدى معظم الجهات بما يساعد على البحث والوصول للمعلومة المطلوبة.
  • عدم توفر أنظمة حديثة أو بنية تحتية لاسترجاع المعلومات أو الأرشفة
  • عدم وجود فهارس لدى الجهات التي لديها أرشيف
  • الحاجة لتدريب عدد كبير جداً من المختصين في وقت قصير نسبيا
  • عدم توفر عدد كافي من المدربين لتدريب المختصين
  • عدم وجود أطر وطنية كافية مختصة بأمن المعلومات
  • التجهيز بالأنظمة والبرامج والإتصالات المناسبة (تطوير البرامج)
  • توعية القضاه بحق الحصول على المعلومات
  • الوقت اللازم لتطبيق القانون

عقبات مالية: تتمثل في توفير تمويل مناسب لتجاوز العقبات الفنية.

قانونية: بعض الدول لا تتوفر أصلا على قانون منظم. وحتى وإن وجد القانون فقد نصادف بعض العقبات من قبيل:

  • اشكالية تحديد بعض المفاهيم كمفهوم “الخصوصية”
  • اشكالية تفسير بعض البنود المبهمة
  • إثقال الجهات بطلبات كبيرة وغير منطقية.
  • إساءة استخدام المعلومات لأغراض غير قانونية أو غير أخلاقية، مثل الإبتزاز أو التجريح أو نشرها بطريقة تسبب الضرر لأفراد أو جماعات أو دول أو إعطاء معلومات “أمنية حساسة” لجهات خارجية.
  • الانتقائية في طلب المعلومات
  • حماية طالب المعلومة

[1]  يوسف بلشهب، الحق في الحصول على المعلومة بين الإطار المرجعي والتأصيل القانوني

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق